يوضح الكاتب صالح سالم في تحليله المنشور على العربي الجديد أن تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفتح نافذة فرص نادرة أمام دول “على الهامش” مثل مصر، التي تتحرك لالتقاط الاستثمارات الأوروبية والأميركية الهاربة من اضطرابات سلاسل الإمداد والمخاطر الجيوسياسية. ويشير إلى أن القاهرة، إذا أحسنت توظيف موقعها واتفاقياتها التجارية وإصلاحاتها الاستثمارية، قد تحصد مكاسب ملموسة في لحظة عالمية مضطربة.
ينقل تقرير العربي الجديد أن التوتر التجاري اشتعل مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، ثم تصاعد مع تهديدات تعريفية أميركية شملت فرض رسوم أولية بنسبة 10% على واردات من دول أوروبية أساسية اعتبارًا من فبراير، مع التلويح برفعها إلى 25% بحلول يونيو إذا فشلت المفاوضات. وردّ الاتحاد الأوروبي بإجراءات مقابلة، بينها تعليق اتفاق تجاري مهم، فيما حذّر صندوق النقد الدولي من تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل.
نافذة فرص لمصر
يرى اقتصاديون محليون أن مصر قد تتحول إلى أحد “الرابحين” إذا جذبت استثمارات أوروبية وأميركية تبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر استقرارًا.
ويقول الاقتصادي المستقل محمد عبد الحميد إن القاهرة تتحرك استباقيًا لالتقاط فوائد الصراع التجاري عبر سياسات تستهدف إعادة توطين سلاسل الإمداد وتنويعها بعيدًا عن المراكز التقليدية التي تطالها الرسوم. ويؤكد أن الحكومة أعدّت سيناريوهات طوارئ تركز على قطاعات تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية، مثل الهيدروجين الأخضر، وصناعة السيارات، والمنسوجات.
ويتزامن ذلك مع حاجة ملحّة لدى الدولة لخلق وظائف لخريجي الجامعات وتوفير عملات أجنبية لسداد ديون خارجية متراكمة.
إشارات سياسية واقتصادية
يتقاطع هذا المسار مع نشاط دبلوماسي اقتصادي لافت؛ إذ حرص رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي على مخاطبة المستثمرين الأوروبيين خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي منتصف يناير، وشارك في جلسة مغلقة مع نحو 70 من قادة الأعمال والمؤسسات المالية العالمية. وأجرى مسؤولون مصريون، بينهم وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، لقاءات مع شركات أوروبية في مجالات الطاقة الخضراء ومشروعات عابرة للحدود، في محاولة لعرض الفرص والحوافز المتاحة.
ويشير التحليل إلى أن التوتر الأميركي الأوروبي يأتي بعد موجة سابقة من النزاع التجاري الأميركي الصيني، استفادت فيها مصر نسبيًا مع بحث مستثمرين صينيين عن منافذ بديلة لتفادي الرسوم الأميركية. واليوم، يناقش مسؤولون مصريون علنًا إمكانية الاستفادة من النزاع الجديد، رغم فرض واشنطن رسومًا بنسبة 10% على منتجات مصرية، وهو ما قد يدفع القاهرة إلى موازنة علاقاتها بحذر.
تحديات وحدود المكسب
لا يتوقع الخبراء طريقًا سهلًا. فالتعريفات باتت أداة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، وقد تتراجع إذا توصلت واشنطن وبروكسل إلى تسويات حول ملفات خلافية. كما تبقى العلاقات المصرية الأميركية محكومة بدور القاهرة الإقليمي، خاصة في جهود الوساطة بقطاع غزة، مع احتمال توترها إذا ظهرت خلافات جديدة حول ترتيبات إقليمية. ويذكّر التحليل بأن رؤى القاهرة وواشنطن تباينت سابقًا بشأن غزة، خصوصًا بعد طرح خطة “ريفييرا الشرق الأوسط”، التي رفضت مصر الانخراط فيها.
تعظيم الجاذبية التنافسية
رغم ذلك، يلفت اقتصاديون إلى أن الموقع الاستراتيجي لمصر، واتفاقيات التجارة الحرة، وتكاليف الإنتاج المنخفضة، قد تجعل السلع المصرية أكثر تنافسية إذا ارتفعت كلفة التجارة عبر الأطلسي. ويظل الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمصر، إذ شكّلت الصادرات إليه 22% من إجمالي تجارة البلاد في 2024، كما كان الوجهة الأولى للصادرات والمصدر الأكبر للواردات.
وتستفيد مصر أيضًا من ترتيبات تتيح دخولًا تفضيليًا إلى السوق الأميركية، مثل مناطق الصناعات المؤهلة للمنسوجات. ومع ارتفاع الرسوم على الصادرات الأوروبية، قد تملأ مصر فجوات في قطاعات مثل الملابس الجاهزة. ويرى رشاد عبدو، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، أن النزاع يخلق فجوات سوقية يمكن لمصر اقتناصها عبر جذب تصنيع موجّه للتصدير وإعادة توطين سلاسل إمداد، مستفيدة من مناطق مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والبنية التحتية المطوّرة.
يقدّم التصعيد التجاري الأميركي الأوروبي فرصة حقيقية لمصر، لكن تحويلها إلى مكسب يتطلب سرعة قرار، ومرونة تنظيمية، وتسويقًا ذكيًا لمزايا البلاد. فالمكاسب لن تأتي تلقائيًا؛ بل تحتاج إلى عمل حكومي نشط يضع مصر شريكًا اقتصاديًا بديلًا موثوقًا في زمن الرسوم المتبادلة. ولكن السؤال هو كيف سيؤثر ذلك على الاقتصاد والديون والتضخم؟
https://www.newarab.com/news/how-egypt-may-be-winner-amid-us-eu-trade-war

